مقتدى الصدر لغز دائم في المشهد السياسي العراقي

الكاتب: د. جواد بشارة


في الأشهر القليلة التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 اتصل الأمريكيون بعدد من الشخصيات والقوى السياسية العراقية ، سواء في المعارضة خارج العراق أو ممن يتواجدون داخل العراق، وكان من بين الذين تم الاتصال بهم السيد مقتدى الصدر باعتباره الوريث الوحيد الباقي على قيد الحياة للمرجع الديني محمد محمد صادق الصدر والد مقتدى الذي اغتاله صدام حسين في أواخر تسعينات القرن الماضي سنة 1999، وهو من مواليد سنة 1973 ، وكان لديه أتباع وموالين كثيرون، لذلك أعطاه الأمريكيون عدد من أجهزة الاتصالات وهواتف الثريا التي كانت ممنوعة آنذاك لاتصالها مباشرة بالأقمار الصناعية، وتلقى مبلغاً من المال، بغية التنسيق معه للسيطرة على الشارع عند دخول القوات الأمريكية لإسقاط نظام صدام حسين وتطويق ميليشيات حزب البعث وفدائيي صدام، إلى جانب عدد من الوعود التي لم تف بها الإدارة الأمريكية للسيد الصدر. وبعد الغزو وفرض  العملية السياسية البديلة لنظام صدام من قبل الأمريكيين وتشكيل مجلس الحكم تم تهميش مقتدى الصدر وأتباعه وإقصائه من العملية السياسية خاصة بعد اتهامه بجريمة قتل عبد المجيد الخوئي نجل المرجع الديني الأعلى السابق في العراق السيد أبو القاسم الخوئي المنافس لمرجعية السيد محمد محمد صادق الصدر.

إثر ذلك أعلن مقتدى الصدر وميليشياته المسلحة التي أطلق عليها تسمية جيش المهدي، العصيان والتمرد على العملية السياسية ورفضه للاحتلال الأمريكي وخوضه حرب عصابات ضيقة النطاق ضد القوات المحتلة إلى جانب ما كان يسمى بالمقاومة الشريفة التي يتزعمها حزب البعث  البائد بقيادة عزة الدوري وبعض العشائر السنية الرافضة للحكم الشيعي وباقيا عساكر صدام حسين ومخابراته الذين انتقلوا للعمل السري بعد حل الجيش العراقي من قبل بول بريمر، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابي، بيد أن العدو الأكبر والأخطر على العملية السياسية  والقوات الأمريكية المحتلة المساندة والحامية لها في ذلك الوقت هو تنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة أبو مصعب الزرقاوي الذي كان يشن حرباً شعواء على الشيعة ومجتمعهم المدني وعلى القوات الأمريكية  ورموز النظام الجديد من خلال عمليات إرهابية نوعية وتفجيرات انتحارية واغتيالات وعمليات خطف وتعذيب وقتل على الهوية.

فرد عليه مقتدى الصدر بنفس الأسلوب ألترهيبي تجاه السنة لحماية الشيعة من بطش الزرقاوي، لا سيما بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء وتفجر ما يشبه الحرب الأهلية الطائفية بين الشيعة والسنة في العراق وقادت إلى عمليات تطهير عرقي ومذهبي وطائفي بين الطرفين في بغداد وباقي المحافظات المختلطة.

ومن جراء ذلك اكتسب مقتدى الصدر وتياره وميليشياه المسلحة شعبية بين الأوساط الشيعية بما فيهم بعض الفئات المثقفة  والعلمانية، وعند تقصي حقيقة الموقف الأمريكي تجاه الصدر تبين من خلال اعتراف بعض الشخصيات الأمريكية المتنفذة في العراق أن مقتدى الصدر كان على ارتباط وثيق بالإيرانيين الذين يدعمونه بالمال والسلاح  وحيث يقيم مرجعه الديني آية الله كاظم الحائري وهو أحد تلامذة والده، ولقد شنت حكومة الدكتور أياد علاوي الانتقالية حملة عسكرية تأديبية ضد مقاتلي وتشكيلات جيش المهدي المسلحة.

ولكن مع مرور الوقت سرعان ما غير السيد مقتدى الصدر والأمريكيون في نفس الوقت مواقفهم ووافقوا على دخول التيار الصدري في العملية السياسية بعدد من الوزراء والموظفين الكبار والمدراء العامين في السلطة والنواب في البرلمان في السلطة التشريعية، والذين انخرطوا كغيرهم في عمليات الفساد والسرقة وجني الثروات  وترسيخ النفوذ للتيار وبالقوة داخل  المجتمع الشيعي في كافة محافظات العراق ذات الأغلبية الشيعية ولقد استفحل نفوذ مقتدى الصدر وميليشياته حتى باتت تشكل خطرا على الحكومة المركزي وعلى هيبة الدولة نفسها.

وسرعان ما نشب صراع حاد على الزعامة مع رئيس الوزراء العراقي السابق السيد نوري المالكي مما اضطر هذا الأخير لشن هجوم تحت تسمية صولة الفرسان على التيار الصدري وقواته المسلحة بالتعاون والتنسيق مع القوات الأمريكية مما أجبر  مقتدى الصدر على تجميد تشكيلات جيش المهدي مؤقتاً وظل يناصب العداء لرئيس الوزراء نوري المالكي ويتحين الفرص للانتقام منه وإطاحته وإزاحته بكل الطرق عن منصب رئاسة الوزراء وبتنسيق مع الأكراد وبعض القوى الشيعية الأخرى المناوئة لنفوذ حزب الدعوة كالمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عبد العزيز الحكيم ومن ثم بزعامة ابنه السيد عمار الحكيم بعد وفاة عبد العزيز الحكيم بمرض السرطان، وهناك أيضاً تنظيم بدر السياسي والعسكري بقيادة هادي العامري، الذي لا ينظر بعين  الرضى للتيار الصدري المنافس له على زعامة الشارع الشيعي لذلك أبرم تحالفاً تكتيكياً مع نوري المالكي وحزب الدعوة، والاثنان يشاركان اليوم في العمليات الحربية ضد داعش في نطاق ما يعرف بالحشد الشعبي، تحت تسميات مختلفة مثل سرايا السلام التابعة للتيار الصدري.

يتمركز نفوذ التيار الصدري في  مدينة الثورة الواقعة على أطراف بغداد المكتظة بالسكان وتضم أكثر من ثلاثة ملايين ساكن، جلهم من الشيعة الفقراء النازحين من الأرياف الفقيرة ومن الأهوار الجنوبية التي جففها نظام صدام حسين البائد لكي يتمكن من محاربة المتمردين المختبئين في الأهوار.

ولقد أطلق عليها النظام السابق مدينة صدام ومن ثم أطلقت عليها تسمية مدينة الصدر بعد سقوط النظام الصدامي على يد الأمريكيين. 

أنصار السيد مقتدى الصدر كثيرون لكنهم غير منضبطين ومندفعين وعاطفيين ويتصرفون بكثير من العفوية والمبالغة وفق مبدأ الطاعة العمياء للقائد، ومع ذلك حدثت انشقاقات في التركيبة القيادية والميدانية سياسياً وعسكرياً مثل انشقاق فصائل عصائب أهل الحق بزعامة القيادي السابق في التيار الصدري الشيخ قيس الخزعلي الذي تحالف تكتيكياً أيضاً في مرحلة ما مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

فتيار السيد مقتدى الصدر يعيش تناقضاته الداخلية فهو مع الحكومة وضدها وداخل الحكومة ومعارض لها، ينادي بمحاربة الفساد وأكثر عناصره القيادية فاسدة  وأخيرا أراد ركوب موجة الاحتجاجات الجماهيرية التي يقودها التيار المدني الديموقراطي منذ سنة ليختطفها بفعل ثقله الجماهيري العددي وقام أتباعه المنفلتون، وأغلبهم من بقايا البعث البائد الذين اخترقوا تياره وتسللوا إليه بغية خلق حالة من البلبلة والاضطراب داخل مكونات العملية السياسية البديلة للنظام السابق لسهولة التلاعب به وبتياره حتى أن بعضهم وصل إلى  مواقع عليا داخل التيار بشقيه السياسي والعسكري، قاموا باقتحام المنطقة الخضراء وترديد شعارات مناوئة لإيران. فالسيد مقتدى غير حاسم في مواقفه فيقرر ويتراجع بسرعة حسب الظروف والضغوط التي يتعرض لها، فتارة يدعو لتظاهرات مليونية وتارة يتراجع عنها ويطلب من جماهيره الانسحاب، وكثيرا ما انسحب من العملية السياسية ثم عاد إليها، ونفس الشيء في اقتحام المنطقة الخضراء  والدعوة للاعتصام والعصيان المدني وغير ذلك من المواقف وهو لا يحسب بدقة توازنات القوى المحلية والإقليمية والدولية المؤثرة في الواقع العراقي وتداعيات المحتملة وردود الأفعال  التي يمكن أن تنجم كرد على أية خطوة يتخذها وتعرض مصالح شركائه في العملية السياسية للخطر ولا أحد يثق به داخل التركيبة السياسية الشيعية والأمثلة على ذلك عديدة.

وكان دخول أتباعه للمنطقة الخضراء واحتلال مبنى مجلس النواب والاعتداء على بعض النواب  وفي الأسبوع التالي اقتحام أنصاره لمبنى رئاسة مجلس الوزراء يعد سابقة خطيرة استدعت تدخل إيران وحزب الله اللبناني لتطويق تداعيات مثل هذا الحدث الخطير الذي وضع العراق على حافة اقتتال شيعي - شيعي يمكن أن يتطور إلى حرب أهلية دامية تحول العراق إلى سورية ثانية وربما إلى ليبيا أخرى وتحويل العراق إلى دولة فاشلة في وقت يواجه فيه البلد أخطر هجمة بربرية متوحشة  متمثلة بتنظيم داعش الإرهابي.



التعليقات

  1. سامي 5/31/2016 11:16:10 PM

    عمي قسما عظما مقتدئ انسان عميل سعودي قطري واريد اتجاوز الحدود ولا اتهمة باطل عميل صهيوني ولا يريد الخير للعراق اتخذا من الفقراء والمساكين سلم او غطاء يستر عورتة

  2. منتظر الحسناوي 6/12/2016 1:27:01 PM

    هكذا يعمل الحقد في قلب الانسان ويطمس الحقيقة ،انزعوا حقدكم وكتبوا بعد ذلك ،حتى الاطفال لا تقتنع بما قلته يا بشارة

  3. سعد الطائي 6/13/2016 7:14:47 PM

    يا سيد بشارة اولا اكبر كذبة اطلقتها على السيد مقتدى الصدر انه استلم اجهزة ثريا من امريكا..ثاني كذبة ان سماحته عميل لايران وهو على خط مقاطع لسياسة ايران بالعراق واحزابها ...صدقت بكلمتين انه لغز المشهد السياسي ..اما لمذا فلانه ضمير شعب والشعب تائه بالاجندات المذبذبة اطرافها المنفذة بالداخل (احزابا وكتل) والان بدء الشعب يعي كوارثه ...انصف يارجل وكن موضوعي

اترك تعليق