"المخطط الافتراضي لداعش".. هكذا يشن الارهابيون هجماتهم على العالم (الجزء الثاني)


بغداد/ قبل ظهور تنظيم داعش، كان تنظيم القاعدة غالبا ما يستخدم دعايته وتصريحاته العلنية في محاولة لإلهام عناصره لتنفيذ الهجمات.

أنور العولقي، وهو مسؤول الدعاية لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (القاعدة في جزيرة العرب)، أصبح سيئ الصيت لاستخدام الإنترنت في الدعوة إلى هجمات "الذئاب المنفردة"، معبرا عن أمله في أن يكون نموذج "الذئاب المنفردة" مكملا وليس بديلا عن مؤامرات تنظيم القاعدة الموجهة مركزيا، مثل مؤامرة قنبلة عيد الميلاد عام 2009 التي وضعت في الملابس الداخلية، والتي نفذها عمر فاروق عبد المطلب، وساعد لتخطيطها العولقي بنفسه.

وقد حشد العولقي من خلال تصريحاته العامة، لا سيما خطبه في موقع يوتيوب، عددا كبيرا من الناس، ووفقا لبيانات صادرة عن مشروع مكافحة التطرف، فقد أثرت فيديوهات العولقي وكتاباته بحوالي 90 من المتطرفين المعروفين في الولايات المتحدة وأوروبا، (حتى بعد أن قتل العولقي في غارة جوية امريكية في عام 2011).

اضافة الى ان عددا من المؤامرات التي حدثت مؤخرا تأثرت (على الأقل جزئيا) بالعولقي منها تفجيرات ماراثون بوسطن عام 2013 و هجوم سان بيرناردينو 2015، وإطلاق النار 2016 في ملهى ليلي في أورلاندو، وتفجيرات سبتمبر 2016 في نيويورك ونيو جيرسي.

لكن على الرغم من مهارته باعتباره شخصية ملهمة، كل ما استطاع العولقي فعله هو نشر الدعوة، آملا أن يستجيب البعض لحمل السلاح ردا على ذلك.

يعتبر نموذج المخطط الافتراضي لتنظيم داعش نسخة نامية من نهج العولقي، تمكن بواسطته التنظيم من تكوين خلية مخططين افتراضيين قادرين على تجنيد شبكة أوسع مما اسسه العولقي، بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي التي عززت من دور العولقي ووسعت دائرة الاتصال لتشمل جميع انحاء العالم.

ويعتقد مسؤولون في الاستخبارات الهندية أن مخطط  تنظيم داعش الافتراضي في جنوب اسيا "يوسف الهندي"، كان على اتصال مع أكثر من 800 من الهنود من خلال الفيسبوك والـ WhatsApp.

ويبدو أن أيا من دعاة داعش أو المخططين الافتراضيين يمتلك نفس النوع من المغناطيسية التي لدى العولقي للمتحدثين باللغة الانكَليزية، مع استغلال اساليب التواصل المستمر الذي يسمح بتوظيف معدل أعلى من خلال تبادل أفلام الفيديو القصيرة وبناء علاقة "حميمة" مع مهاجم محتمل، وتوفير التشجيع والمصادقة، والتعامل مع الشكوك التي قد تتولد لدى المجند.

ويمكن للمخطط الافتراضي تكرار الضغوط الاجتماعية ذاتها التي توجد عند الشخص المستهدف، كما قال بيتر اينبرغر من اتحاد جامعة ميريلاند الوطني لدراسة الإرهاب،  "يدخل الناس غرف الدردشة، سوف يشعرون وكأن لديهم علاقة مع شخص ما.. حيث ان اتصال الند للند يقرب بينهم اكثر".

وعلى عكس الشبكات المادية يمكن للناس التجول والبحث ببساطة في شبكات الانترنت وعدم الاضطرار إلى تحديد هوياتهم، او التعرض الى خطر الاعتقال أو حتى الموت.

علاوة على ذلك، فإن الأفراد المتأثرين بداعش بامكانهم الوصول مباشرة الى المخطط الافتراضي لاجل التوجيه والمساعدة في تنفيذ الهجمات.

جنيد حسين، هاكر بريطاني سابق تحول إلى ارهابي.. كان جنيد يعمل عند شخص يدعى خان، على رادار سلطات مكافحة الارهاب البريطانية منذ عام 2014، وقرر حينها السفر إلى "دولة الخلافة"، لكنه غير رايه في أوائل 2015 وبدأ التركيز على تنفيذ هجمات محلية، وذلك باستخدام وظيفته كرجل بريد إلى خارج نطاق القواعد العسكرية الأمريكية في بريطانيا.

في يوليو 2015، تبادل خان عدة رسائل مع جنيد حسين عبر برنامج "سوبر سبوت" وناقشا الخدمات اللوجستية في مختلف الخطط المحتملة للهجوم، وأرسل حسين الى خان دليل لصنع القنابل، وطلب منه استخدام المتفجرات ضد رجال الشرطة الذين وصلوا الى المكان المخطط له للهجوم.

وعلى الرغم من إلقاء القبض على خان قبل تنفيذ هجومه، الا ان تلك العملية توضح كيف انه بإمكان المخطط الافتراضي توفير جميع الخدمات التي اعتادت ان تكون سابقا سمة من الخلايا الواقعية فقط.

في سبتمبر 2016، اعتقلت السلطات الفرنسية مجموعة من الإرهابيات الإناث اللواتي نفذن محاولة فاشلة لتفجير سيارة ملغومة قرب كاتدرائية نوتردام في باريس، طعنت إحداهن ضابط شرطة خارج محطة السكك الحديدية "بوسي سانت انطوان" وقامت السلطات باعتقالها،

وقبل الشروع في الهجوم، لم تكن بين النساء أي نوع من العلاقة، بل تم جمعهن معا عن طريق مخطط افتراضي تابع لتنظيم داعش في أوروبا ويدعى "رشيد قاسم"، الامر الذي يبين بأن المخطط الافتراضي قادر على توظيف وتوجيه أفراد وخلايا متباينة معا لتشكيل شبكات هجوم أكبر.

في جمع او ربط النساء، دمج قاسم اثنين من خطوط مختلفة من الجهد الإرهابي في قسمين مختلفين من فرنسا لتنفيذ نوع معين من العمليات.

سارة البالغة من العمر 23 عاما، كانت تخطط لهجوم في بلدة فرنسية جنوب شرق كوجولا، تم التواصل معها من قبل قاسم، وبناء على أوامره، قامت بصياغة رسائل وداع للأقارب، وقدمت فيديو تعلن فيه ولائها لتنظيم داعش، لكنها فقدت شهيتها للعملية التي خطط لها قاسم، وهي هجوم "انتحاري على وحدة الشرطة"، لذلك ربطها قاسم مع امرأتين أخريين للاستعداد لتنفيذ هجوم في باريس بدلا من ذلك.

على الرغم من أن النساء فشلن في تنفيذ الهجوم الكبير الذي اعد له قاسم، لكن وبكل الاحوال تدل هذه الحالة على السرعة وخفة الحركة في عمل المخططين الافتراضيين، ولم يكن قاسم قادرا على اقناع أربع نساء لتنفيذ هجمات عنيفة باسم داعش فقط، ولكن أيضا استطاع دمج مجندات غربيات ومشروعين قاتلين لزيادة احتمالات النجاح.

"المخطط الافتراضي" سيتيح للتنظيم السيطرة، وعلى نحو فعال، على ما سبق وان عرف بهجمات الذئاب المنفردة، عن طريق إنشاء جسر بين المتشددين المحتملين والتنظيم، ويمَكّن المخططون الافتراضيون الجهات الفاعلة لتحقيق أهداف التنظيم، وبذلك يحولون هؤلاء الأشخاص إلى سفراء لداعش، وجنود يحققون غاياته الإستراتيجية.

ان كل هجوم يعمل على عرض الامتداد العالمي للتنظيم، وبهذه الطريقة، يساعد المخطط الافتراضي بتعظيم الآثار النفسية وسمعة العنف الذي يرتكب باسم داعش.

نجاح نموذج المخطط الافتراضي يؤكد استمرار "الجماعات الجهادية" بممارسة "التعلم التنظيمي".

من جانب آخر، ان هذا النموذج، بطبيعة الحال، لا يخلو من المحدودية، وذلك بعدم وجود التدريب الشخصي، مما يجعل المهاجم يفتقر إلى الخبرة اللازمة لتنفيذ الأوامر تماما كما هو مطلوب، كما ان الخلايا الموجهة من قبل المخطط الافتراضي في خطر أكبر من أن يتم اكتشافها، على الرغم من التقدم في التشفير.

مع ذلك، فإن هذا النهج يعد ذو تكلفة منخفضة، واستراتيجية عالية مع القدرة التدميرية الهائلة، خصوصا مع استمرار تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى بتطوير وصقل النموذج.

وحتى الآن، من الملاحظ ان تكيف الارهابيين مع جهود العمليات الخارجية يفوق الجهود الدولية المبذولة لإيجاد طرق فعالة للتصدي له.

المصدر: War On The Rocks، (الجزء الثاني).

ترجمة: بابل24

 

للاطلاع على الجزء الاول اضغط هنا



اترك تعليق