"جرائم دون عقاب".. خفايا قتل الصحفيين في العراق واستمرار الاعتداءات عليهم


بغداد/ كانت الصحفية والناشطة أفراح شوقي ضحية عملية اختطاف من منزلها في العاصمة بغداد، على يد مسلحين مجهولين، ثم أُفرج عنها بعد تسعة أيام، من دون معرفة الكثير عن هوية الجهة الخاطفة أو دوافعها.

ثاني أخطر دولة على الصحفيين

وتعرض عدد كبير من الحصفيين العراقيين إلى اعتداءات مختلفة خلال السنوات القليلة الماضية، تنوعت بين القتل والاختطاف والاعتداء بالضرب أو التهديد.

ويقول رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية ومقره في بغداد هادي جلو مرعي إن "عدد الصحفيين الذين قتلوا في 2016 بلغ 14 صحفيا ليرتفع عدد الصحفيين الذين قتلوا في العراق منذ 2003 وحتى اليوم إلى 429 صحفيا ومساعدا فنيا".

وصنفت لجنة حماية الصحافيين الدولية العراق في تقرير أصدرته في كانون الأول الماضي، ثاني أخطر دولة على الصحفيين، مشيرة إلى مقتل ستة صحفيين أثناء تغطيتهم العمليات القتالية، في حين قتل صحفيان آخران بعيدا عن ميادين القتال بـ"دوافع غير معروفة".

وللعام الرابع على التوالي يحتل العراق إحدى المرتبات الثلاث الأولى بين البلدان الأشد فتكا بالصحفيين، حسب المنظمة.

داعش.. صحافة مهنة الموت

ومع دخول تنظيم داعش إلى مدينة الموصل في حزيران 2014، تحولت مهنة المتاعب إلى مهنة الموت في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وتصدر التنظيم قائمة منتهكي الحريات الصحفية في العراق عبر إصداره أوامر صارمة بمنع العمل الصحفي إلا في حدود أجهزته الإعلامية، وشن حملة اعتقالات ونفذ إعدامات جماعية كان صحفيون يعملون في وسائل إعلام عراقية ضحاياها.

ورغم صعوبة الوصول إلى أعداد دقيقة للصحفيين الذين قتلوا أو اعتقلوا على يد التنظيم، إلا أن مصادر عديدة تؤكد أن التنظيم أعدم عشرات منهم في الأشهر الأولى من استيلائه على الموصل، ومدن أخرى شمالي بغداد.

لكن يبدو أن داعش لا يمثل المصدر الوحيد للخطر الذي يهدد حياة الصحفي وحريته المهنية في العراق.

ويتفق ناشطون معنيون بتوثيق الانتهاكات بحق الصحفيين، في كل من العاصمة بغداد وإقليم كردستان على أن العمل الصحفي تحفه "مخاطر جسيمة" سواء على جبهات القتال أثناء تغطية الحرب الدائرة ضد تنظيم داعش، أو أثناء تناول ملفات الفساد أو القضايا السياسية التي تعصف بالعراق.

وتزايدت حالات الانتهاك والاعتداء التي يتعرض لها الصحفيون من قبل الشرطة أو الجهات الحزبية، ويشير مرعي إلى تسجيل أكثر من 29 حالة انتهاك صارخ في 2016 بحق صحفيين، وتراوحت الانتهاكات بين الاعتداء بالضرب وكسر الكاميرات والاحتجاز الذي امتد من ساعات إلى أكثر من يوم.

كردستان "بيئة مخيفة" للصحفيين

وتعرض صحفيون في إقليم كردستان إلى إعتداءات جسدية، وحجز ومنع من التغطية الصحفية ومحاكمات، ومواجهة دعاوى قضائية من مسؤولين محليين، بالإضافة إلى مقتل صحفيين كرديين اثنين في النصف الأخير من 2016 في مناطق محافظة دهوك، حسب رحمن غريب مدير مركز ميترو للدفاع عن حقوق الصحفيين.

يصف غريب، البيئة السياسية في الإقليم بأنها "مخيفة" للعمل الصحفي.

ويعزو سبب ذلك إلى "كيفية تفكير من يتولى زمام السلطة في موضوع نشر المعلومات المهمة حول الفساد والاعتداء على الأملاك العامة وانتهاك حقوق الإنسان في كردستان".

ويرى ئاسو وهاب وهو صحفي مستقل ومدرب في الصحافة، أن العمل الصحفي خارج مؤسسات الصحافة الحزبية في كردستان قد يعرض حياة الصحفي إلى الخطر.

وقال وهاب، إن "حرية الإعلام التي يتم إظهارها في كردستان مرتبطة أساسا بالأحزاب السياسية والوضع السياسي، وإذا ما حاول الصحفي تجاوز الإطار الحزبي فهذا يعتبر خطا أحمر قد يعرض حياته إلى الخطر".

ولهذا السبب يعتقد وهاب أن الصحافة الاستقصائية والتحقيقية التي يركز عليها الإعلام العالمي كثيرا "نراها ضعيفة في كردستان والعاملون في هذين المجالين عادة ما يواجهون التهديدات".

وعاد غريب وأشار، إلى مقتل صحفيين كرديين اثنين أثناء تغطية الحرب ضد داعش بالإضافة إلى اغتيال اثنين آخرين في كردستان خلال العام المنصرم، مضيفا قوله: "قُتل الصحفي وداد حسين ولا يزال القتلة يتجولون بحرية، وقتل المصور التلفزيوني زين الدين شكري في أحد جبال العمادية في دهوك ويُعزى سبب القتل إلى خنزير بري".

وكان مراسل وكالة روج نيوز القريبة من حزب العمال الكردستاني وداد حسين قد تم اختطافه في 13 آب الماضي من منزله في دهوك وادعى خاطفوه المسلحون أنهم من قوات الأمن الكردية "الآسايش" وتم العثور على جثته بعد ساعات من اختطافه على الطريق الواصل بين دهوك وناحية سيميل.

وقال شقيقه طارق، لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إن "الآسايش سبق وأن اعتقلوا شقيقه "وأمروه إما بترك الصحيفة أو تزويدهم بمعلومات عما يحدث داخلها، وإلا فإنهم سيعرفون كيف يسكتونه"، مبينا أن شقيقه تعرض للتعذيب أثناء التحقيق.

وبينت التقارير الطبية أن الصحفي وداد تعرض للتعذيب الشديد بأدوات كهربائية وسكاكين قبل مقتله، وفق بيان أصدرته وكالة روج حول مقتل مراسلها.

وفي بداية الشهر الماضي، وبعد اختفاء دام أربعة أيام تم العثور على جثة زين الدين شكري مصور قناة KNN التابعة لحركة التغيير المعروفة بانتقاداتها الشديدة للسلطات الكردية في أربيل.

وأكد مدير الإعلام في شرطة محافظة دهوك الرائد هيمن أتروشي في تصريحات للصحافة أن جثة شكري كان عليها آثار طلقات رصاص، ولكن الشرطة عادت وغيرت روايتها فيما بعد، ونفت وجود آثار رصاص بل "جرح يعود إلى حيوان بري".

جرائم من دون عقاب

وقد تمر سنوات على ملفات اختطاف أو اغتيال الصحفيين دون وصول التحقيق إلى نتائج واضحة، ومن دون كشف الجناة، وبعد فترة يتم نسيان الملفات بشكل كامل من قبل السلطات المختصة، ويفلت الجناة من العقاب.

ويضيف غريب، أن هذه الحالات تمر من دون عقاب، مشيرا إلى أن "كردستان تمثل بيئة الإفلات من العقاب من الجرائم التي ترتكب بحق الصحفيين والناشطين المدنيين".

وقال إن منظمته سجلت عشرات الحالات من الانتهاكات والخروقات والتهديدات ضد الصحفيين الأكراد، وأكد أن المركز يعتزم نشر بيان حول تلك الانتهاكات أواسط الشهر الجاري، "حين ينتهي المركز من إعداد المعلومات كافة".

وتحدد منظمة CJP الجناة الأساسيين في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في العراق، بتنظيم داعش والمسؤولين المتنفذين سواء الحزبيين منهم أو الحكوميين، مشيرة إلى مقتل 71 صحفيا في العراق خلال العقد الأخير، مع إفلات تام للجناة.

والجدير ذكره أن هناك قائمة تتعدى ستة أسماء من ضحايا الصحفيين الذين تم اغتيالهم في كردستان منذ 2008، لكن من دون الكشف عن الجناة أو من دون أن تتوصل اللجان التحقيقية إلى نتائج حاسمة بشأن قضاياهم.

فبعد مرور حوالي سبع سنوات على اكتشاف جثة الصحفي الكردي سردشت عثمان في أطراف أربيل، بعد نشره مقالات انتقد فيها بشدة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يترأسه مسعود بارزاني، لازال الغموض يحيط بقضية مقتله، وذلك بعد أن رفضت عائلته نتائج تحقيق إجري آنذاك وخلص إلى اتهام الصحفي سردشت بالإرهاب، وقالت أسرته لوسائل إعلام أجنبية إن عثمان اغتيل بسبب مقالاته الانتقادية.

ومر أكثر من ثلاث سنوات على مقتل الصحفي كاوه كرمياني، من دون محاسبة المسؤولين عن قتله بحسب عائلته التي توجه أصابع الاتهام إلى أحد أعضاء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يعتبر الحزب المهيمن في مناطق كرميان في محافظة السليمانية.

ويتفق كل من هادي جلو مرعي ورحمن غريب على أن سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا الصحفيين من دون تحديد الجناة، يشير إلى مدى الخطورة التي تهدد ليس حرية الصحفيين في العراق بل وجودهم أيضا.

ويقول مرعي "في ظل عدم جدية الحكومات المتعاقبة في معالجة هذا الملف فإن الاوضاع لا تسير الى إيجابية بل الى المزيد من التعقيد والخطر".



اترك تعليق